
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
منذ فترة كنت أجول في معرض للكتاب ، دخلت جناحاً لدورٍ تنتمي إلى بلد عربي واحد، وكانت الكتب في معظمها إسلامية، نظراً للصحوة الفكرية الإسلامية التي يعيشها الوطن العربي كما يقال.
مكتبتان متقابلتان تنتميان إلى مذهبين مختلفين إحداهما سنية و الأخرى شيعية ، مررت بالمكتبتين لأجد كتابين مختلفين بعنوان واحد "معالم الطائفة المنصورة".
كلا الكتابين كان يتحدث عن الموضوع ذاته و لكن النتائج متغايرة…الأول كان يرى أن الطائفة المنصورة هم أهل السنة لا ريب ، والآخر كان يجزم أن الشيعة – ويستند كسابقه إلى الدلائل و البراهين- هي الطائفة المنصورة والناجية لا محالة.
غريب أمر هذه الأمة فكلما اشتدت المحنة تتلمس طريقاً إلى الخلاف بدل أن تسعى إلى الوحدة ،وكأن حالة الضعف اليأس تجعل الجسد الإسلامي - في هذه الأيام - ينقلب على نفسه جلدا للذات وتمزيقا للممزق و تحطيماً للمحطم.
لا شك أن جزءاً كبيراً من موضوع الفُرقة والخلاف مرتبط بحديث من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ورد في أكثر من صيغة عن الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية في أحاديث أخرى.
تعالوا لنسأل معاً وبشكل علمي موضوعي برؤية إسلامية من هي الطائفة المنصورة ومن هي الطائفة الناجية؟
الطائفة الناجية ورد ذكرها صراحة في القران الكريم في قوله تعالى "أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ،الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ".
هذا هو الاسم العام والسمة العامة للطائفة الناجية ، وأي حديث لرسول الله عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يأتي في ظل هذا السياق لأن السُنّة وظيفتها الأولى أن تبين القرآن الكريم.
ومن غير المعقول فهم هذا الحديث على أنه دعوى لتفريق الأمة وتقسيم الأمة إلى مذاهب عقائدية أو فقهية أو سياسية أو أي شئ ثاني وأنه مجموعة محصورة بحدود في اجتهاد فقهي معين أو في اجتهاد عقائدي معين أو في اجتهاد سياسي معين.
ففي كل مرة يتعرض المسلمون فيها إلى تحدٍ كبير، فيتنادون إلى القيام بواجبهم ويأخذون بأسباب النصر ينصرهم الله ، ففي أيام المعتصم تعرضت الأمة لمحنة وصاحت تلك المرأة "وامعتصماه" ، عندئذ قام المعتصم بالواجب :جمّع الجيوش فاجتمعت و رتل الأرتال فرتبت ،و قام بها للجهاد في سبيل الله فانتصر المسلمون ….هل سألنا يوماً ما هي الهوية الثقافية للمعتصم ؟ ما هو مذهبه في العقيدة؟ ما هو مذهبه في الفقه؟ لا يشك أحدٌ بأن المعتصم قد انتصر وأن المسلمين في زمان المعتصم قد نُصروا، رغم أنه معروف بالانتماء إلى المعتزلة.
ثم جاء عصر الإمارات المستقلة ، وعلا الحمدانيون على حلب ، وغزا أميرهم سيف الدولة على الروم أربعين غزوة انتصر فيها جميعاً،و أسر قسطنطين بن الدمستق ثم بنى قلعة الحدث في بلاد الروم التي غزاها الروم لاستردادها فنكبهم ، وانتصر نصراً عظيماً تغنى به شعراء زمانه ، فهل تذكر الأمة أن سيف الدولة كان شيعياً؟ وهل يحسب هذا للشيعة أم للمسلمين أجمعين؟
صلاح الدين الأيوبي حقق انتصار عظيما تفخر به الأمة ….ولا يُشك أيضا أن صلاح الدين الأيوبي كان ينتمي إلى المدرسة الأشعرية بل إن المقريزي يقول إن مذهب الأشاعرة قد انتشر أيام صلاح الدين الأيوبي لأنه انتصر و لأأن الناس قد تأثروا بنصره دخلوا في مذهبه .
ثم جاءت محنة التتار فجاء الملك المظفر قطز ثم الظاهر بيبرس ووقف العلماء مع الجيوش المصرية والشامية في تلك المحنة وكان العز بن عبد السلام وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ودخلوا في المعركة وكتب الله على أيديهم النصر ولم يفكر الناس إن هل هذا النصر كان بسبب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ينتمي إلى مدرسة معينة أو ببركة العز بن عبد السلام الذي كان ينتمي إلى مدرسة ثانية أم الملك المظفر الذي كان ينتمي إلى توجه ثالث.
ثم جاء محمد الفاتح وحقق الله على يده النصر الذي لم يتحقق حتى في زمن الصحابة ، لقد تحقق على يديه وعد المصطفى عليه وعلى آله السلام " لتفتحن القسطنطينية فلنعم الجيش جيشها ولنعم الأمير أميرها" ومحمد الفاتح ينتمي إلى مدرسة الصوفية التي تبناها العثمانيون كما هو معروف.
للمعتصم مدرسة، ولصلاح الدين مدرسة، ، ولقظر تيار تربوي ، لابن تيمية تيار آخر ، لسيف الدولة مذهب، وللإمام العز مذهب آخر ،وللعثمانيين منهج فكري مختلف عن كل هؤلاء …وجميع هؤلاء نصرهم الله على عدوهم فأيهم الطائفة المنصورة؟
إن المسلمين يتلاحمون في المعركة …فالقائد معتزلي -كما حصل أيام المعتصم- لكن الجيش ينتمي إلى مدارس كثيرة.
الباحثون في الغرف الأكاديمية ،في النقاش العلمي البحت ؛ يبحثون موضوع الفرق ومميزات هذه الفرق فيسمون الأشياء بأسمائها.
لكن عندما نتكلم عن تاريخ ،نتكلم عن الصراع بين الحق و الباطل فمن الخطأ أن نمنح صفة الاعتزال لمعركة المعتصم لمعركة عمورية ، أو معركة الأشاعرة مثلا لفتوحات صلاح الدين الأيوبي وتحريره لبيت المقدس ،فالتلاحم العظيم الذي تبديه الأمة في أيام المحن هو ما يستنزل النصر من الله تبارك وتعالى.
لا يمكن تقسيم الأمة الإسلامية إلى فرق فرقة تستنزل النصر وفرقة مخذولة خاسرة غير ناجية ، هذا وليد التعصب والتطرف.
إن من المعيب أن نجر الآيات والأحاديث -التي هي مبشرات بنصر الأمة- إلى منهج للاستدلال على قضايا جزئية فقهية أو فكرية أو في تفسير بعض النصوص المتعلقة بالغيب .
كثيرون يفاخرون بمعركة عمورية والمعتصم ، كثيرون يفاخرون بحطين ومازلنا نستنهض صلاح الدين صباح مساء… كيف نفاخر بهذين النصرين دون أن نتوقف لحظة لنقول أن المذهب العقائدي الذي انتمى إليه الرجلان لا علاقة له بطبيعة المعركة .
ربما يقول قائل: قد لا ينصر الله طرفاً بسبب التقوى والورع لكن ْ لأنه كان يمتلك القوة والمنعة، يعني كفرقتين ضالتين ، والأقوى سينتصر.
يحق لنا أن نتساءل ولكن ماذا عن موقف علماء الأمة من هذه المعارك :
الحجاج بن يوسف الثقفي -على ظلمه وكثرة الأخطاء التي وقعت في زمنه- على يديه كان ينتصر في الفتوحات، و لما دعا إلى الجهاد كان سعيد بن جبير وهو من هو علماً وفقهاً وورعاً ،وكان مطلوبا من قبل الحجاج وكان رجال الحجاج يبحثون عنه … لكن لما سمع سعيد بن جبير بأن الحجاج يدعو الناس إلى الجهاد في سبيل الله خرج من مخبئه والتحق بجيش الحجاج .
إن المسلمين بالأمس كانوا يتلاحمون أيام الصراع: النكبات تجمعهم، والنصر يلمهم ، والله لن ينسى التاريخ للإمام أحمد ما فعل ؛ فبعدما عذبه المعتصم- وأخوه المأمون من قبل- في السجن سنوات طوال ، علم أن المعتصم خرج ليحارب الروم فانتصر وفتح عمورية، ففرح الإمام أحمد رضوان الله عليه ثم قال: "عفا الله عنه بما جاهد في سبيله"
أما اليوم فالأزمات والانتصارات تفرق المثقفين والمتثاقفين من المسلمين ، ففي قمة الجهاد في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي كان يصنف قادة الجهاد أنه هذا أشعري هذا سلفي وهذا كذا وكذا ….
لماذا لم يتنبن مؤرخونا هذا المنهج التقسيمي؟ولماذا عندما نفاخر بهؤلاء لا نتوقف لحظة لنقول أنهم كانوا على غير مذاهبنا التي نتبناها ، أو على غير مدارسنا التي نتحارب في سبيلها؟
قبل سنوات انتصر حزب الله على الإسرائيليين بانتصار مدوٍ حققه الشعب اللبناني بجهاده ، فلماذا يُنسب النصر إلى الشيعة ،هل فلسفة الجهاد فلسفة شيعية أم سنية؟ أم هي فلسفة إسلامية خالصة لا يتفرق حولها مسلمان.
إن النبي لما تكلم عن الطائفة المنصورة قال:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" و زاد في مسلم : "…لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" وروي في مستدرك الحاكم بلفظ ٍ قريب، والحديث متواتر كما قال الشيخ الكتاني سرد له ستة عشر راوياً من الصحابة رضي الله عنهم.
و رواه ابن جرير و الإمام أحمد بسند صحيح: لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا: يا رسول الله وأي
المزيد