الإسلام والديمقراطية…هل يكتب التوفيق لهذا الزواج؟الجزء2
كتبهامحمد يعقوب ، في 9 أيلول 2006 الساعة: 13:37 م
نتابع ما بدأناه مستعينين بالله رب العالمين
الحاجة إلى الديمقراطية
يقول الأستاذ راشد الغنوشي : غابت دولة الشورى في كل المستويات منذ القرن الأول (قال عليه الصلاة والسلام:الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون ملكاً)وأصبحنا نورَّثً إلى هؤلاء الملوك، و ساد التقليد وهو شكل من أشكال الاستبداد أيضاً ، وفي مجال التربية ساد التصوف الأعمى “المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي من يغسله”وهذا يلغي إرادة الناس يلغي إرادة من يسمون المريدين لصالح الشيخ.
فأصبحنا إذاً مجتمعنا ينتج الاستبداد ويتحرك في إطار الاستبداد.
فلما انفتحت النوافذ وجاء الهواء لم نستطع أن نتعايش مع الفكر الحديث، وبادرنا برفضه، على سبيل المثال انظر ما حصل في أفغانستان في التسعينات ، خرب البلد على يد مجاهدين، لماذا؟ لأنهم لو اتفقوا على الديمقراطية كآليات لحسم خلافاتهم لرجعوا للشعب الأفغاني واحتكموا له، ومن يرضى به الشعب يُقبل، ولكن هؤلاء كثير من مشايخهم يرفضون الديمقراطية لأنها حرام –بزعمهم- وأن الشعب ليس محل ثقة، ويقولون بنظام يتخيلونه واضحاً، ولكنها مجرد أسماء: يقولون نظام أهل الحل والعقد، من هم أهل أحل والعقد؟ كيف نختارهم؟ هؤلاء كانوا واضحين في مجتمع صغير كمجتمع المدينة، كيف نتوصل إليهم اليوم دون ممارسة الآليات الحديثة، آليات الديمقراطية في الانتخاب؟ فخرب البلد رغم أنهم قد يكونون صالحين ومجاهدين، لكنهم ورثوا هذا التخلف في فقهنا السياسي، فلم يتوفقوا إلى آليات لحسم خلافاتهم
في الحركة الإسلامية جوانب كثيرة للتجديد ، فالإسلام أقر مبدأ الشورى، وأمرنا ألا يقرر الفرد ولاالنخبة المستبدة في القضايا الكبرى ، وإنما الأمة كلها تُشارك في صناعة القرار.
فكرة المشاركة هذه فكرة أساسية جاء بها الإسلام، وأظن أن غيابها وإقصاء الأمة عن شأنها واستبداد الأفراد بالمجموع هو الذي أنهك حضارتنا وأسلمها إلى الانهيار، على حين توفق الغرب في أن يحول شورانا هذه- مبدأ الشورى المبدأ العظيم- أن يجعل له آليات تجعل من الشورى نظاماً يحقق التداول على السلطة، ويحقق الأمن من الجور، ويعطي للناس للشعب وسائل الضغط على الحكام، ويعطي وسائل النصح والتغيير، وبالتالي أمِن الغرب من الاستبداد، وبقينا نحن المسلمين لا أمل لنا في نصح حكامنا- فضلاً عن تغييرهم- إلا أن ننتظر زيارة ملك الموت لمستبد أو إعلان دبابة في الهزيع الأخير من الليل، وهذه كارثة على الحاكم والمحكوم بصراحة.
ويرى بعض المفكرين أن الابتعاد عن الديمقراطية يؤثر على الدور الرسالي للإسلام حيث يقول مراد هوفمان: إذا لم يتمكن العالم الإسلامي من تأكيد العنصر الديمقراطي الأصيل الكامن في تكوينه، وسيترتب على ذلك أن المسلمين لن يتمكنوا من تحقيق وتطوير إمكاناتهم في شتى المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وسيعقب ذلك تخلفه وعجزه السياسي.
الشورى واجب إسلامي
أوجب الإسلام الشورى، الحاكم يجب أن يستشير الناس ولا يستبد بالرأي، والشورى كما قال الإمام ابن عطية في تفسيره: “من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين من الأمراء فعزله واجب، وهذا ما لا خلاف فيه”.
وبين الدكتور البوطي أن الشورى تمتاز عن الديمقراطية بأنها “واجب في الوقت ذاته، كلف الله به الأمة، وحمل سائر أفرادها مختلف تبعاته..” وأوضح أن الشورى الشرعية أو التشريعية تعتبر “عبادة تعاونية محضة يبتغى منها الوصول إلى مرضاة الله”.
و يقول الدكتور يوسف القرضاوي :إن الإسلام أقام الحياة السياسية على مبدأ الشورى، وهو مقرر في القرآن الكريم بقوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) هذا في القرآن المكي، وفي القرآن المدني قال الله تعالى لرسوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وإذا كان الرسول مأموراً بالمشاورة فغيره أولى بأن يشاور يعني قطعاً، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس مشاورة، كما جاء في صحيح البخاري، أكثر الناس مشاورة لأصحابه، هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يعني معروف، شاور في غزوة بدر ، وشاور في غزوة أحد، وشاور في غزوة الخندق، وكثيراً ما نزل عن رأيه إلى رأي أصحابه.
في غزوة بدر شاور قبل الغزوة، وشاور في أثناء الغزوة، وشاور بعد الغزوة في مسألة الأسرى، في غزوة أحد شاور أيضاً الصحابة في الخروج إلى المشركين أم البقاء في المدينة، وكان رأيه ورأي كبار الصحابة أن يبقوا في المدينة، ولكن الشباب وهم جمهور الناس رفضوا ذلك، وقالوا: يعني ما دخل علينا فيها في الجاهلية. أفي الإسلام يدخلون علينا؟! وأبوا إلا أن يخرجوا، فنزل على رأيهم، في غزوة الخندق أيضاً استشار السعود: سعد بن معاذ، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود من الأنصار حينما عرض عليه قبيلة غطفان أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة أو نصف ثمار المدينة ويرجعوا وينفضوا عن قريش، وعرض الرسول عليهم هذا، وقال لهم: إن العرب رمتكم عن قوس واحدة، فلا مانع إن إحنا نقسم المهاجمين بأننا نصالح بعضهم وأن نتفرغ للبعض، ولكن هؤلاء السعود وهم يمثلون الأنصار رفضوا ذلك قالوا ما أخذوا منا تمرة في الجاهلية بعد أن أعزنا الله بالإسلام يأخذون منا؟ رفضوا ونزل النبي -صلى الله عليه وسلم- على رأيهم.
و يقول مراد هوفمان معلقاً: إن آية الشورى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) جعلت واجب الشورى يمتد إلى المؤمنين كافة وليس الرسول وحده، وقرنت واجب الشورى بفرض الصلاة. وهذه الصيغة ذات أهمية قصوى ،حتى وإن كان فرض الأخذ بالشورى - كما هو الحال في الغرب - قد عطل وانتهى الأخذ به في التاريخ الإسلامي الذي يتسم بالتسلط، ولم يعد الأخذ بالشورى موضع تنفيذ منذ حكم الأسرة الأموية في دمشق عام 750.انتهى
ومنذ تلك اللحظة بدأ فشل المسلمين السياسي وقد صدق عليه الصلاة والسلام إذ يقول: “لينتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”
وبهذا فلا يجوز للمسلمين أن يفتخروا بالممارسة السياسية التي مارسوها – أو بالأصح مارسها الملوك- بعد نهاية العقد الرابع للهجرة.
آليات الديمقراطية الإسلامية
يقول مراد هوفمان: أما أهم الشروط التي يجب توافرها في كيان حكم إسلامي صحيح، هو أن يسود فيه الإجماع على من يحكم وما يحكم، أي أن يتم الحكم بموافقة الغالبية، حتى يكون هناك عقد (بمفهوم روسو) يحكم العلاقة بين الشعب والحكومة، ويسمى العقد الاجتماعي، وهو في الإسلام البيعة.
وفي الجزائر مثلاً اقترح الشيخ محفوظ نحناح زعيم الحركة الإسلامية الجزائرية تسمية الشكل الإسلامي للديمقراطية، شورى قراطية أي النظام الشوروي).
وأعتقد أن على المسلمين بدلاً من الوقوف عند مفردات منفرة، وإضاعة الجهد في مجادلات كلامية، أن يتبينوا أن أهم أهداف الديمقراطية ووظائفها، إنما هي تأمين وجود رقابة منظمة على الحكومات لمنع أي ظلم وتسلط وسوء استخدام للسلطة، وما هذا إلا جوهر الأهداف الإسلامية.
ويتم تحقيق هذا في ديمقراطية إسلامية لها لبناتها.
وقد استخرجت من كلام هوفمان أهم تلك اللبنات:
- اللبنة الأولى: بجعل القرآن الكريم المصدر الأعلى للدستور
- اللبنة الثانية: يجب أن توضع جميع القوانين المستمدة من القرآن الكريم موضع اعتبار وقياس من قبل قانونيين مسلمين.
ملاحظة:وهذا لا يعارض ممارسة الديمقراطية فالديمقراطيات محكومة بالدساتير و الديمقراطية الإسلامية محكومة بدستور مستمد من شرع الله.
- اللبنة الثالثة: قيام حياة نيابية إسلامية بناءً على التوجيه القرآني بوجوب الشورى إذ لا ينكر أي مسلم في يومنا هذا وجوب الأخذ بالشورى، ولا نفكر حقيقة أن الشورى لا يمكن أن تتم في المجتمعات الحديثة ذات الكثافة العالية من خلال كل الأفراد، بل من خلال مجلس منتخب يمثل ناخبيه كما فعل موسى عليه السلام من قبل ” وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا”
- اللبنة الرابعة (الاقتراع وسيلة الانتخاب): السؤال الذي يمكن أن يطرح من وجه نظر إسلامية ويكون موضع خلاف، ليس وجود مجلس للشورى، ولكن كيفية انتخاب أعضاء هذا المجلس.
فإذا قام الحاكم _كما هو متبع في كثير من البلدان الإسلامية _ بتعيين أعضاء هذا المجلس، فكأنما يقوم الحاكم الذي يجب مراقبته بمراقبة نفسه بنفسه. ولذلك هناك تأييد متزايد للانتخابات العامة الحرة لممثلي الشعب، ويحظى هذا الاقتراح بموافقة غالبية المسلمين.
هناك عقبة من المحتمل أن تعوض الممارسة الديمقراطية، وهي أنه يجب على المسلم أن يمتنع عن أن يطلب لنفسه منصباً سياسياً. ولقد كان هذا الأمر -أي أن يطلب المرء لنفسه منصباً سياسيا -موضع رفض بل ازدراء، حتى إن الرسول محمد لم يعين أحدا في منصب قيادي قد يكون طلبه لنفسه. (ولابد أن يصل المسلمون إلى اجتهاد مناسب لحل هذا الإشكال كأسلوب التزكية مثلاً الذي اقترحه د.القرضاوي)
- اللبنة الخامسة(الشورى الملزمة):وهو أمر سنأتي إلى شرحه تفصيلاً في فقرة اعتراضات على الديمقراطية.
- اللبنة السادسة( الإقرار بالتعددية): يذكر القرآن إمكانية اختلاف آراء ووجهات نظر المسلمين” فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا” ولكن للأسف يؤمن بعض المسلمين أن اختلاف وجهات النظر ما هو إلا دليل لسوء النوايا .
- اللبنة السابعة( السلطة التشريعية): هناك ضرورة لإصدار تشريعات لا تنظم فقط الجوانب الفنية لبناء الشوارع والتعريفة الجمركية والمسائل الصحية وضمانات العمل وغيرها ، بل أيضاً هناك ضرورة لإصدار أحكام تكميلية في مجال التعزير مثلاً. حدث هذا في عهد الخلافة العباسية، حيث وجد نظامان للأحكام، تزامنا معاً: أحكام الشريعة من ناحية، ومن ناحية أخرى نظام إدارة وأحكام متحرز نسبياتهم من خلاله استحداث عقوبات لم يذكرها القرآن، مثل دفع الغرامة نقداً، والسجن.
أما الأمور التي لا تقبل التأويل فيجب في النظام الإسلامي التنبيه أن “لا اجتهاد في مورد النص”
- اللبنة الثامنة : فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إسلاميات...فكر سياسي, نحو انطلاقة حضارية | السمات:نحو انطلاقة حضارية, إسلاميات...فكر سياسي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























