فلنعترف!المسلمون عبر التاريخ فشلوا سياسياً ونجحوا حضارياً…فلماذا؟
كتبهامحمد يعقوب ، في 4 تشرين الثاني 2007 الساعة: 06:43 ص
هذا الحديث كما هو واضح ينقض مقولة من يقول إن الخلافة ظللت المسلمين 13 قرناً…إنها كما يقول الحديث ثلاثون سنة فقط، وإذا أصر البعض على تسميتها خلافة خلافاً للمصطلح النبوي فلا مشكلة إذ لا مشاحة في الاصطلاح لكن عليهم أن يعلموا علم اليقين أنها لم تكن خلافة إسلامية بل كما سماها عليه الصلاة والسلام في الحديث الشهير الصحيح [2]:
"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا (الملك العاض أو العضوض: هو الذي يصيب الرعية فيه عسف وتجاوز، كأنما له أسنان تعضهم عضًا)، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبرية (ملك الجبرية: هو الذي يقوم على التجبر والطغيان).، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت
إن ما سبق ينقض فخر من يفتخر بـ(خلفاء) بني أمية وبني العباس وبني عثمان…فهم لا يستحقون لقب خليفة أصلاً إنهم ملوك…
إنها تعيب من جعل تاريخ الإسلام تاريخاً لخلفائه بدءاً من ابن كثير وانتهاء بحسن إبراهيم حسن..فالخلفاء كانوا بعيدين عن نهج الإسلام فكيف ينسب تاريخهم إلى الإسلام، ولماذا لا ننسب تاريخنا إلى المسلمين كشعب وهم الذين لم يتخلوا عن الإسلام كمنهج ثلاثة عشر قرناً
إنك إذا طالعت كتب التاريخ الموثقة الحيادية –لا كتب المستشرقين – ككتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي أو البداية والنهاية لابن كثير ، فإنك ستجد تجد أموراً تشيب لها الولدان ….ستجد أبا حنيفة يجلد كل صباح في سجن المنصور حتى زهقت روحه في محبسه[3] وسترى الحسين بن علي يقتل عطشان في صحراء العراق [4]وستجد جيش يزيد يغزو المدينة ويقتل مئات الصحابة والتابعين في الحرة (وقبورهم في البقيع) ثم يختم على أعناق من بقي منهم[5] وستصادف الحجاج يقصف الكعبة بالمنجنيقات ويقتل ابن الزبير[6] وستصدمك القصص المأساوية لقتل أئمة أهل البيت كموسى بن جعفر الكاظم[7] ومحمد النفس الزكية[8] ومن أكثر ما يندى له الجبين فضائح الخليفة الوليد بن يزيد الذي كان مولعاً بالخمور راكباً للبدعة وقيل أنه عاقر القربى وراود الرجال و اتخذ المصحف هدفاً لسهامه، وكان زنديقاً مات غماً على جارية أحبها[9] و مأساة الخليفة العباسي الصالح المهتدي بالله الذي تشبه بسيرة عمر بن عبد العزيز وثار على سلطة الأتراك فاجتمعوا عليه وسحقوا خصيتيه حتى مات…هذه القصة غريبة ومؤلمة لكن السيوطي سردها فراجعها…[10]
لا أقول أن تاريخنا ليل وظلام بل أتحدث عن زعمائه السياسيين فجلهم كانوا ظلمة وطغاة وأقل ما يقال فيهم كانوا على غير ما يريده الإسلام ، وهم لا يمثلون شعزبهم ولا إسلامهم ولا داعي لأن نرهق أنفسنا لندافع عن ظلمهم بل إن ذلك حرام على مبدأ الولاء والبراء.
هذا لا يعني أن كل ما فعلوه كان ظلاماً ، فهم قد دونوا الدواوين وفتحوا الأمصار و شيدوا الصروح ورفعوا اسم الإسلام في الآفاق ، لكنني أتـكلم عما يسمى بالمعدل الكلي أو المتوسط الحسابي أي محصلة ما فعله السياسيون طوال 13 قرناً بعد الخلافة الراشدة ولم أخض في التفاصيل ففي بعض ما فعلوه خير بلا شك فالأسود القاتم ليس موجوداً فينا نحن البشر ونحن كلنا في دائرة الرمادي بين الأسود والأبيض
ربما لم ترق لك كلمة الفشل …أي فشل أكثر من أن النبي وصف ما فعله السياسيون طوال 13 قرناً بالملك العضوض …هل تريدون شهادة من غيره عليه الصلاة والسلام
إن المسلمين نجحوا نجاحات باهرة في ميادين الحضارة لكن تلك النجاحات لا يجوز أن تنسب لحكامهم الظلمة والفاسدين فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم كانت غالباً متوترة في تاريخنا ، حتى قال بعضهم:"فر من السلطان كما تفر من الأسد" و لم يكن السلطان قدوتهم وقائدهم ،لأن الناس كانوا غالباً أهل دين، وظل ذلك إلى عهود متأخرة، أما السلاطين ففسدوا بعد عقود طويلة.
وهناك قصة شهيرة ولها دلالات في هذا الشأن،قد روى من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد فطاف بالبيت فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه وقام أهل الشام حوله فبينما هو كذلك إذا أقبل علي بن الحسين فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما وهو في بزة حسنة وشكل مليح فقال أهل الشام لهشام من هذا فقال لا أعرفه استنقاصا به واحتقارا لئلا يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا أنا أعرفه فقالوا ومن هو فأشار الفرزدق يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *****والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم****** هذا التقي النقي الطاهر العلم
إلى آخر القصيدة
فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة …
فالخليفة ليس من يشغل الناس ، فأهل الله هم القدوة لا الخليفة وسجونه وحرسه، و يوماً كان الرشيد يزور الرقة فلما جاء موعد درس أحد العلماء "أظنه يحيى بن معين" ، انصرف الناس إلى المسجد كي يحصلوا العلم من ها الإمام، فنظرت زوج الرشيد إليه وقالت:"ها هو السلطان، لا من يسوق إليه الناس بالعصا والصولجان" و هذه القصة تنسحب عبرتها على ماسبق، ويوماً كاد تأييد الناس للعلماء أن يكون سبباً في سقوط الخلافة قبعد سجن الإمام أحمد في رأي رآه و تعيبه 18 شهراً ،انفجرت الهتافات تلعن المعتصم و ووزيره،وأوشكت الثورة أن تشتعل في بغداد، وكان المعتصم يعد العدة لجهاد الروم.. فاضطر وانفجرت الهتافات تلعن ابن أبي دؤاد والمعتصم نفسه!
وأوشكت الثورة أن تشتعل في بغداد، وكان المعتصم يعد العدة لجهاد الروم.. فأطلق سراح الإمام أحمد مضطراً كي يثبت على كرسيه.
الأمثلة كثيرة على أن القيادة لم تستقر عند الخلفاء بل كانت في مكان آخر ثلاثة عشر قرناً، كان الحكم في أيدي السلاطين و أعين الناس ترنو إلى العلماء العاملين، والله لو أحسن المؤرخون الفعل لأرخو لهؤلاء لا للخلفاء، فهم بفعلهم هذا نفروا الناس من تاريخ الإسلام مع أن التاريخ يؤخذ للشعوب لا للأفراد ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله.
أظن أن ني بذلك أزلت الالتباس أنا أدعو إلى نظرة أخرى إلى تاريخ الإسلام نظرة تعلم أن الشعوب لم تكن ترى في الخلافة تمثيلاً حقيقياً، فالخلافة بعد الراشدين كانت فاشلة بدليل قوله صلى الله عليه وآله"الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون ملكاً.
فيم إذاً نجح المسلمون؟
ينبغي هنا أن نسأل السؤال بشكل مختلف: فيم لم ينجحوا؟
فقد نجحوا أخلاقيات لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، حتى قال المستشرق وليم موير لقد امتاز محمد بوضوح كلامه ويسر دينه ،وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول ،ولم يعهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن كما فعل محمد نبي الإسلام) لأنه رأى في المسلمين بعد محمد عليه الصلاة والسلام خيراً لم ير في التاريخ مثله.
لقد قدموا للعالم مثالاً للفتوحات العادلة التي لا تبتغي إلا وجه الله، ولم يعرف التاريخ لهذا مثيلاً حتى قال غوستاف لوبون:"لم يعرف التاريخ أرحم من العرب"
لقد قدموا للعالم اقتصاداً مذهلاً فلا هو اشتراكي يسلب حرية الإنسان و لا هو رأسمالي يمجد شريعة الغاب، فأنظمة الضمان الاجتماعي التي عرفها المسلمون لم تصل لها أوربا حتى يومنا هذا رغم كل الانتفاضات العمالية التي تعج بها.
و في المدنية كانوا رائعين أيضاً:فمنا أعظم طبيب ابن سينا الذي لم تزل مؤلفاته مراجع في مكتبات العالم حتى بدايات القرن العشرين، ومنا ابن خلدون الذي قدم في مقدمته-كما يقول الباحثون-أعظم كتاب في علم الاجتماع إلى يومنا هذا.
منا ابن رشد …كان طبيباً مبدعاً وله كتاب الكليات في الطب وأدراك ما الكليات، وكان فيلسوفاً قدم أعظم شروح الفلسفة… وكان فقيهاً قدم كتاباً رائعاً في الفقه المقارن"بداية المجتهد" ، فهلا لأمم الأرض أن تأتينا بر جل جامع مثله.
منا ومنا … ولو سردت لضاق المقام….
سأذهب أبعد من ذلك فأقول:
ينادي البعض إلى العودة إلى الخلافة الراشدة بحذافيرها…بل وصل البعض إلى العودة إلى تفاصيلها العملية ،حيث يقول حزب التحرير مثلاً : علينا العودة إلى نظام الدواوين الراشدي ونظام الولايات الراشدي ونظام الخلافة مدى الحياة كما كان الراشدون…..إلخ
هنا أنا أتساءل:
هل استطاع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الحفاظ على تجربة الشورى التي أرسوها
أم أنهم كانوا مثاليين في الطرح فاعتمدوا على النيات الحسنة فسقطت الخلافة كما يقول النبي بعد ثلاثين سنة
هل كان قتل أبي لؤلؤة المجوسي –عميل الهرمزان – لأمير المؤمنين عمر و النهاية المأساوية لعثمان وعلي رضي الله عنهم صدفة أم هي نتيجة طبيعية لأخطاء تكتيكية وقع بها الراشدون"طبعاً ليست أخطاء بالمعنى الشرعي لأن النبي يقول عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"
هل يقتصر النجاح على مجرد التفوق أم أن النجاح الحقيقي هو المحافظة على هذا التفوق.
لماذا نقض الطامعون حكم الإسلام في ثلاثة عقود رغم أن الناس ظلوا يحتكمون إلى الإسلام ثلاثة عشر قرناً
هل علنا العودة إلى جوهر الخلافة الراشدة أم إلى تفاصيلها؟
ألم يقل صلى الله عليه وآله وصحبه[11]:
"لينتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة"
لماذا نُقضت عروة الحكم بهذه السرعة
هل الظروف الموضوعية كانت أقوى من الإمكانات الذاتية
أم إن الخلل كان يكمن في المسلمين أم في طريقة تعاملهم مع الحكم
ألم يقل عمر رضي الله عنه[12] :
"وقد بلغنى أن رجالا يقولون فى خلافة أبى بكر : إنها كانت فلتة.
ولعمرى إنها كانت كذلك ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرها وأيكم هذا الذي ينقطع إليه الأعناق كانقطاعها إلى أبى بكر"
طبعاً لا نناقش هنا صحة خلافة أبي بكر رضي الله عنه فقد كانت عن رضا من المهاجرين والأنصار (كما قال علي بن أبي طالب في نهج البلاغة ) ولكننا نعترض عن تكرار هذه الطريقة -كما توصي كتب الأحكام السلطانية-التي ما فعلها عمر إلا مضطراً.
فإذا كانت آلية انتخاب أبي بكر فلتة وانتخاب عمر لأسباب خاصة بذلك الجيل ،وانتخاب عثمان محصوراً بالمبشرين بالجنة ،وانتخاب علي إنقاذاً للمدينة من حال الفتنة ، فهل علينا أن نعود إلى تلك (الفلتات ) أم أن علينا الابتكار في النظم ضمن آليات الشورى التي أوصانا بها إسلامنا العظيم : "وأمرهم شورى بينهم " وأجمع عليها علماء الأمة كما قال القرطبي:
"هي –أي الشورى- من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين من الأمراء فعزله واجب، وهذا ما لا خلاف فيه".
في إطار الشورى وحاكمية شرع الله ، في إطار الشورى وحاكمية شرع الله –التكرار مقصود- إذا تحدثنا عن الاستفادة من مناهج أخرى كالديمقراطية مثلاً تفتح علينا أبواب جهنم…. ولماذا لا نأخذها عن الغرب كما أخذنا عنهم المكننة والعلوم ومالنا ومال كفرهم وفجورهم.
فهل مناهجنا التاريخية تصلح للنجاح كما هي أم أن علينا العودة إلى الجوهر والاجتهاد في التفاصيل.
هل يحق للمسلمين أن يفتخروا بتجربة سياسية ناجحة لم تستمر إلا ثلاثة عقود ، ولنتحدث بلغة الأرقام .. 30 سنة نجاح بالنسبة إلى 1300 فشل = 0.023 يعني أن نسبة نجاح الخلافة -وفق المقاييس النبوية هي 2.3%
ولا أقصد عدم الافتخار بالخلافة الراشدة حاشاها ،يكفينا أن لدينا عمر أعدل حاكم على وجه البسيطة خلا الأنبياء، يكفينا حيدرة فخراً أنه من أمتنا ، يكفينا قائد الجيوش أبو عبيدة وسيف الله خالد وهم جميعاً سياسيون ، هذا نموذج يعتبر مثالاً للمدينة الفاضلة فضلاً عن أمثلة سياسية.
هذه مجرد تساؤلات فشاركونا الإجابة
وأرجو ألا يفهم أحد أنني أتطاول على مقام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
فو لله لموطئ وطؤوه في سبيل الله خير من ملء الأرض مني
ولكن …."كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام" وكل بني آدم خطاء إلا الأنبياء
[1] صحيح صححه أحمد و الترمذي والطبري وابن أبي عاصم وابن حبان والحاكم وابن تيمية والذهبي والعسقلاني والألباني الذي أفاض في الرد على القلة ممن ضعفوا الحديث من غير علماء هذا الفن كابن العربي وابن خلدون
راجع السلسلة الصحيحة للألباني 459
[2] (أحمد في مسند النعمان بن بشير 4/273 من طريق الطيالسي، وأورده الهيثمي في المجمع 5/188، 189، وقال: رواه أحمد والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات، وهو في -منحة المعبود- برقم -2593-، وفي كشف الأستار عن زوائد البزار، برقم -1588- وصححه الحافظ العراقي في كتابه: محجة القرب إلى محبة العرب وذكره الألباني في: الصحيحة برقم -5).
[3] سير أعلام النبلاء للذهبي طبعة الرسالة ص 401-401
[4] راجع ترجمة الحين بن علي في سير أعلام النبلاء
[5] راجع التفاصيل في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 79
[6] تاريخ الخلفاء ص81-82
[7] سير أعلام النبلاء –الجزء السادس ص118وما يليها
[8] سير أعلام النبلاء –الجزء السادس ص210وما يليها
[9] تاريخ الخلفاء للسيوطي
[10] تاريخ الخلفاء
[11] رواه ابن حبان وصححه وكذلك الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم 572
[12] راجع المسند الجامع برقم 28940
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إسلاميات...فكر سياسي | السمات:إسلاميات...فكر سياسي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 23rd, 2008 at 23 يوليو 2008 8:36 م
أيها المسلمون
اجعلوا شهر رمضان شهر الانتصارات مجددا بإقامة دولة الخلافة
(مترجمة)
الحمد لله أن أعاد الله شهر رمضان على المسلمين مرة أخرى. هذا الشهر الذي انزل فيه القران الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفيه ليلة القدر تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر لمن شهدها وهو عابد لله. وهو الشهر الذي فرض الله-سبحانه وتعالى- على الناس صيامه. وهو الشهر الذي تصفد فيه الشياطين وتقفل النار أبوابها وتفتح الجنة أبوابها . وهو الشهر الذي تسمو فيه روحانيات المسلمين تقوى من الخالق القوي العزيز.
استغلت الأجيال السابقة من المسلمين - عندما كانت تحكم بكتاب الله سبحانه وتعالى - بركة شهر رمضان في تسطير الانتصارات على الكفر. فبقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انتصرت الدولة الإسلامية على قريش في بدر وقد كانت قريش حينها قائدة للقبائل العربية. وقد جاء هذا الانتصار في الوقت الذي كان فيه جيش الدولة الإسلامية قليل العدد والعدة يقاتل أعداءه من جيوش الكفر التي تفوقه في العدد والعتاد والخبرة.
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} آل عمران123
كما فتحت الدولة الإسلامية مكة في رمضان ودانت قريش أخيرا لحكم الإسلام، وانهى المسلمون بذلك ظلم قريش، وعبّدوا الطريق أمام اتساع الدولة الإسلامية في جميع جنبات المعمورة، وانزل الله قرانا يتلى بعد فتح مكة، قال تعالى سبحانه وتعالى:
{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ،وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً} النصر2
ومن جاءوا بعد انقضاء فترة النبوة، وهم الخلفاء الراشدون، كذلك حققوا انتصارات كثيرة في رمضان، فقد كانت انتصاراتهم على أعدائهم مفصلية في التاريخ الإسلامي. وكان للمسلمين جولات نصر على الصليبيين في بلاد الشام في رمضان على طول احتلالهم لبلاد الشام نحو قرنين من الزمن ثم طردوهم شر طردة وطهروا البلاد من رجسهم. وقد انتصر المسلمون في رمضان كذلك على التتار الهمجيين في معركة عين جالوت بالرغم مما أحدثه التتار من تدمير هائل.
وعليه فعندما كان المسلمون يحكمون بالإسلام، وتنظم علاقاتهم بما انزل الله سبحانه وتعالى ، كان رمضان شهر انتصارات المسلمين على أعدائهم وأعداء الإسلام. أما اليوم فان رمضان يأتي مع غياب دولة الخلافة الإسلامية حيث الأمة تخضع لجبروت الكفر في جميع نواحي حياتها.
ففي شهر رمضان الحالي لم تفرغ الأمة بعدُ من عدِّ ضحاياها منذ احتلال الكفار للبلاد الإسلامية في أفغانستان والعراق وفلسطين وكشمير … وفي رمضان الحالي منعت الجيوش الإسلامية من نصرة المسلمين، بل وأكثر من ذلك، فقد أرسلت لحماية الكفار من المسلمين. وفي رمضان الحالي تواجه الأمة حملة عنيفة ضد اغلي شيء عندها وهو الإسلام وذلك عن طريق نشر الاستعمار ثقافته الغربية بين المسلمين من خلال تغيير مناهج التعليم وعن طريق الإعلام والدعاية لثقافته. وفي رمضان الحالي يواجه المسلمون الفقر المدقع في الوقت الذي يستغل الاستعمار فيه ثروات المسلمين الهائلة .
بالرغم من أن بلاد المسلمين واسعة وغنية بالثروات الطبيعية، وسكانها وأعداد جيوشها أرقام ضخمة، وبالرغم من أن عندها الدين الصحيح وهو الإسلام، بالرغم من كل هذا فان الأمة ترزح تحت نير الكافرين. إن هذا ليس غريباً ما دامت الأمة تعيش بدون دولة الخلافة الإسلامية، وما دامت الأمة لا تساس ولا تحكم بإحقاق الحق وإبطال الباطل. بل على العكس من ذلك فان الأمة تساس وتحكم بما يرضي الاستعمار. فلم تعد السياسة عند المسلمين رعاية لشؤونهم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، بل أصبحت مسابقة بين من يطمعون في رضى المستعمرين، فهي سجال وتنافس على خدمة مصالح الكفار يعرضها الحكام الحاليون!
أيها المسلمون في الباكستان!
إن إزالة الأذى الشديد الذي تتعرض إليه الأمة من الكفار في شهر رمضان هذا، لا تكون فقط بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالصلاة والصوم، بل يجب عليكم بجانب الصلاة والصيام العمل لتطبيق دين الله - سبحانه وتعالى - في الأرض وان ترسِّخوا هيمنة الدين على جميع طرق العيش المختلفة بإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وهكذا يعود رمضان إلى تسطير الانتصارات تلوا الانتصارات مرة أخرى. فالعمل لتغيير الأنظمة الفاسدة الحالية والعمل لإقامة دولة الخلافة ليس مسالة حياة أو موت فحسب، بل هو فرض فرضه الله سبحانه وتعالى، وقعود المسلمين عن القيام بهذا الواجب، وسكوتهم عن وزر الحكام، سيجعل حال المسلمين يزداد سوءًا في الدنيا، ثم يستحقون بقعودهم وسكوتهم عن المنكرعذاب الله وغضبه في الآخرة، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ)).
انتفعوا، أيها المسلمون، من شهر رمضان المبارك يرحمكم الله. توجهوا إلى الله -سبحانه وتعالى- بتكثيف عملكم وكفاحكم ضد الحكام الفاسدين واحلال الخلافة مكانهم، فبالخلافة وحدها يقام الإسلام كسلطان يحمي بيضة المسلمين ودينهم، ويقذف الرعب في صدور الأعداء. واعلموا أن الله وعدكم بالنصر إن وفيتم شرط النصرة فقد قال سبحانه وتعالى:
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} آل عمران139